فخر الدين الرازي
184
تفسير الرازي
المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال : أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم . والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : * ( وارزقوهم فيها واكسوهم ) * وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه . فان قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، فلم قال أموالكم ؟ قلنا : في الجواب وجهان : الأول : أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه ، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، الثاني : إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله تعالى : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) وقوله : * ( وما ملكت أيمانكم ) * ( النساء : 36 ) وقوله : * ( فاقتلوا أنفسكم ) * وقوله : * ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) * ( البقرة : 85 ) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا ، وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج إليه . فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم . والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم ، لما كان في ذلك من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها ، وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم ، وإذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم . الثاني : أنه قال في آخر الآية : * ( وقولوا لهم قولا معروفا ) * ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه ، لان المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف ، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين . قال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : * ( أموالكم ) * على الحقيقة والمجاز جميعا ، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : * ( أموالكم ) * يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها ، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له ، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي ، إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله :